ليالي الذكرى... وعشقٌ لا يشيخ
إن مررتَ في بالي ذات مساء، فلا تظن أنني ما زلت أبحث عن عودتك، بل لأن الذكريات تعرف الطريق إلى القلب دون استئذان. تأتي كنسيمٍ يحمل أسماءً كدنا ننساها، ثم يرحل تاركًا خلفه صمتًا لا يسمعه إلا من أحب بصدق.
سأحاول أن أنساك... كما نسيتني، وسأتعلم أن أتجاوز حضورك في تفاصيل أيامي كما تجاوزتَ أنت وجودي في حياتك. سأقنع قلبي أن الحنين ليس قدرًا، وأن الشوق يمكن أن يشيخ، وأن العيون تستطيع أن تخفي ما تعجز الكلمات عن البوح به. لكن الحقيقة التي لا أستطيع الهروب منها، أن الحب الذي سكنني لم يكن يومًا نزوة عابرة، بل كان وطنًا بنيته بكل نبضة، وقصرًا شيدته من الوفاء، ثم تركته الرياح بلا أبواب.
أمنيتي الوحيدة أن لا تفضح عيناي ذلك الاشتياق الذي ما زال يزهر كلما مر اسمك، وأن لا يرى أحد في ملامحي ذلك الانتظار الذي مات منذ زمن، لكنه لم يُدفن.
كم تمنيت لو أنني لم أمنحك كل هذا الحب... لكنني حين أتأمل الأمر، لا أندم على عطائي، لأن الأرواح العظيمة لا تعرف أنصاف المشاعر. لقد أحببتك بكل ما أملك، وبكل ما أحمله من صدقٍ ووفاء، ولم أترك في قلبي زاوية إلا وأسكنتك فيها. فإن كان الحب قد انتهى في قلبك، فهو في قلبي لم ينتهِ، بل تغيّر شكله؛ أصبح دعاءً في الغيب، وذكرى لا تؤلم بقدر ما تُعلّم، وأثرًا لا يمحوه الزمن.
سيقولون إن الأيام تُنسي، لكنهم لا يعلمون أن بعض الأرواح تُكتب في أعماق الروح بحبرٍ لا يمحوه العمر. فالعشق الحقيقي لا يقاس بالقرب ولا يذبل بالغياب، بل يبقى شاهدًا على أن الإنسان قد ينسى الوجوه، لكنه لا ينسى القلب الذي سكنه يومًا بكل تفاصيله.
وهكذا سأمضي... لا أحمل ضغينة، ولا أطرق بابًا أُغلق في وجهي، بل أحمل احترامًا لقصةٍ كانت أجمل مما كُتب لها أن تكون. سأتركها تمضي كما شاء القدر، وأبقى مؤمنًا أن الحب الأبدي ليس أن نملك من نحب، بل أن يبقى الحب فينا نقيًا، كريمًا، وفيًا... حتى وإن رحل أصحابه.
فإن سألتني الأيام يومًا: هل انتهى عشقك؟
سأبتسم بهدوء وأقول:
العشق الحقيقي لا يموت... إنه فقط يتوقف عن المطالبة، ويبدأ بالدعاء، ثم يتحول إلى نورٍ يسكن الروح إلى آخر العمر.

0 تعليقات