حين تصبح الكُلية... وطنًا ينتظره الجسد

حين تصبح الكُلية... وطنًا ينتظره الجسد

بقلم: محمود سالم الغريبي





في هذه الحياة، هناك أشخاص ينتظرون وظيفةً أفضل، وآخرون ينتظرون منزلًا جديدًا، أو نجاحًا طال انتظاره. لكن هناك من ينتظر شيئًا واحدًا فقط... أن يعيش.

مرضى الفشل الكلوي لا يقيسون أيامهم بالتقويم، بل بجلسات الغسيل الكلوي. ساعاتٌ طويلة يقضونها موصولين بأجهزةٍ تقوم بما عجزت عنه كُلاهم، بينما تتوقف تفاصيل الحياة في انتظار انتهاء الجلسة، ليبدأ بعدها تعبٌ جديد، وانتظارٌ جديد.

ورغم التطور الطبي الكبير، يبقى زرع الكلى الأمل الأجمل، لأنه لا يمنح المريض علاجًا فحسب، بل يمنحه حياته من جديد. يمنحه القدرة على العمل، والسفر، والابتسام، والجلوس مع أسرته دون أن يكون أسيرًا لمواعيد الأجهزة والمستشفيات.

إن التبرع بالكلى -عندما يتم وفق الضوابط الطبية والقانونية وبعد التأكد من سلامة المتبرع- ليس مجرد إجراء طبي، بل هو رسالة إنسانية عظيمة، قد تكتب نهاية سنواتٍ من الألم، وبداية عمرٍ جديد لإنسان كان يظن أن الأمل يبتعد عنه يومًا بعد يوم.

وربما لا يدرك كثيرون أن قرارًا واحدًا قد يعيد أبًا إلى أطفاله، وأمًا إلى بيتها، وشابًا إلى أحلامه، وطالبًا إلى مقاعد الدراسة. إنها ليست مجرد كلية... إنها فرصة للحياة.

أنا لا أكتب هذه الكلمات بصفتي كاتبًا فقط، بل بصفتي إنسانًا يعرف معنى الانتظار، ويعرف كيف تبدو الحياة حين تصبح الأجهزة الطبية جزءًا من الروتين اليومي، وحين يتحول الدعاء إلى رفيقٍ لا يفارق القلب.

رسالتي ليست طلبًا للشفقة، وإنما دعوة إلى الوعي. فكلما ازدادت ثقافة المجتمع حول التبرع بالأعضاء، ازدادت فرص إنقاذ الأرواح، وقلت معاناة آلاف المرضى الذين يعيشون على أمل أن يأتي اليوم الذي يعودون فيه إلى حياتهم الطبيعية.

قد لا تستطيع أن تعالج كل مريض، لكنك تستطيع أن تكون سببًا في نشر الوعي، أو دعم أسرة، أو تشجيع فكرة قد تنقذ حياة إنسان.

فلنجعل الرحمة فعلًا، لا مجرد شعور. ولنجعل الإنسانية قرارًا، لا شعارًا.

ففي بعض الأحيان... لا يحتاج الإنسان إلى معجزة، بل يحتاج إلى إنسان.

إرسال تعليق

0 تعليقات