صلالة... حين يكتب الضباب قصيدة الأرض
بقلم: محمود بن سالم الغريبي
ليست صلالة مدينةً تُزار، بل إحساسٌ يُعاش. هناك، في أقصى جنوب سلطنة عمان، تتبدل قوانين الطبيعة، ويولد فصلٌ لا يشبه الفصول، وكأن السماء قررت أن تكتب قصيدتها الأخيرة فوق جبال ظفار، فتغدو الأرض بساطًا أخضر، وتصبح السحب ضيوفًا دائمين، ويغدو الضباب لغةً يتحدث بها المكان.
في الوقت الذي تشتعل فيه حرارة الصيف في كثيرٍ من بقاع العالم، ترتدي صلالة ثوبًا أخضر لا يشيخ، وتستقبل زوارها بأجواء معتدلة، وأمطارٍ خفيفة، ورذاذٍ يلامس الوجوه كما لو أنه رسالة سلام من السماء.
ولعل سرّ صلالة الحقيقي لا يكمن في جمالها وحده، بل في قدرتها على إعادة الإنسان إلى فطرته الأولى؛ حيث الهدوء، ونقاء الهواء، وصوت المياه المنحدرة من الجبال، ورائحة التراب المبتل التي لا تشبه أي مكان آخر.
خريف ظفار 2026... موسم يتجدد مع الطموح
شهد موسم خريف ظفار لعام 2026 نقلةً نوعيةً في مستوى التنظيم والخدمات، حيث امتد الموسم من 21 يونيو وحتى 21 سبتمبر، وتضمن أكثر من 125 فعالية ثقافية وفنية ورياضية وترفيهية موزعة على مختلف ولايات محافظة ظفار، في خطوة تعكس الرؤية المتنامية لتعزيز السياحة الداخلية والدولية.
كما شهد الموسم توسعًا في الطاقة الاستيعابية للنقل الجوي، مع توفير أكثر من 520 ألف مقعد جوي لاستيعاب الطلب المتزايد على زيارة صلالة، الأمر الذي أسهم في تسهيل حركة الزوار ودعم القطاع السياحي.
وتؤكد الإحصاءات الحديثة أن موسم خريف 2025 استقبل أكثر من مليون زائر، مع استمرار النمو في أعداد الزوار والإنفاق السياحي، وهو ما يعكس المكانة التي أصبحت تحتلها صلالة كواحدة من أهم الوجهات السياحية في المنطقة.
الإنجازات التي تستحق الإشادة
لم يعد نجاح صلالة مرتبطًا بجمال الطبيعة فحسب، بل أصبح نتيجة عملٍ متكامل يجمع بين التخطيط والاستثمار وجودة الخدمات، ومن أبرز ما يميز الموسم:
تنوع الفعاليات الثقافية والتراثية التي أبرزت الهوية العمانية الأصيلة.
تطوير المواقع السياحية والحدائق والمرافق العامة لاستقبال الأعداد المتزايدة من الزوار.
تعزيز البنية الأساسية للنقل والخدمات السياحية.
مشاركة واسعة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والأسر المنتجة، مما أسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي.
ارتفاع مستويات الإشغال الفندقي، واستمرار الاستثمار في المشاريع السياحية الجديدة.
تقديم صورة حضارية مشرقة عن سلطنة عمان، تجمع بين الأصالة والحداثة في آنٍ واحد.
صلالة... الجمال الذي لا تلتقطه الكاميرات
مهما التقطت العدسات من صور، يبقى في صلالة شيءٌ لا يمكن تصويره؛ ذلك الشعور الذي يتسلل إلى القلب عندما ترى الضباب يعانق الجبال، أو تسمع هدير شلالات وادي دربات، أو تقف أمام شاطئ المغسيل حيث تتعانق أمواج البحر مع صخور الزمن.
إنها مدينة تمنح الزائر فرصة أن يتصالح مع نفسه، وأن يكتشف أن السعادة ليست في ضجيج المدن، بل في لحظة صمتٍ بين غيمةٍ وجبل.
كلمة أخيرة
كل عام تؤكد صلالة أنها ليست مجرد وجهة سياحية، بل مشروع وطني ناجح يجسد رؤية سلطنة عمان في تنويع الاقتصاد، ودعم السياحة المستدامة، وإبراز الهوية العمانية للعالم.
وسيظل خريف ظفار شاهدًا على أن الجمال حين يقترن بحسن الإدارة، والإرادة، وحب الوطن، يصنع قصة نجاح تتجدد عامًا بعد عام.
ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال عن صلالة ليس أنها أجمل مدن العرب، بل إنها المدينة التي تجعل زائرها يغادرها بجسده... بينما يبقى قلبه هناك، معلقًا بين ضباب الجبال، ورائحة المطر، وصوت الأرض وهي تبتسم.
— محمود بن سالم الغريبي

0 تعليقات