حين يصبح الشوق وطنًا

حين يصبح الشوق وطنًا

بقلم: محمود سالم الغريبي





ليس كل شوقٍ وجعًا، فبعضه وطنٌ نلوذ به حين تضيق بنا الأيام، وبعضه صلاةٌ صامتة ترفعها القلوب إلى السماء دون أن تنطق بها الشفاه.

هناك أشخاصٌ لا يغادروننا وإن ابتعدوا، يتركون في أرواحنا أثرًا لا تمحوه السنون، كأنهم نقشوا أسماءهم على جدار القلب، فلا الرياح تزيلها، ولا الزمن يبهت حروفها.

كم هو غريبٌ هذا القلب... ينسى مئات الوجوه، لكنه يحتفظ بوجهٍ واحدٍ كأنه آخر ما رأت الروح قبل ميلادها. كل الأماكن تتغير، وكل الأصوات تخفت، إلا ذلك الصوت الذي ما زال يسكن الذاكرة، يأتي كلما هبّت نسمة، أو مرّ طيف، أو سكن الليل.

علّمتني الحياة أن الحب الحقيقي لا يقاس بكثرة اللقاءات، بل بقدرة الغياب على إبقاء المشاعر حيّة. فهناك من يرحلون بأجسادهم، لكنهم يظلون مقيمين في الدعاء، وفي الذكريات، وفي تفاصيل الأيام الصغيرة.

ولعل أجمل ما في الشوق أنه لا يطلب شيئًا لنفسه؛ يكفيه أن يعلم أن من يحب بخير، وأن قلبه ما زال ينبض تحت السماء نفسها، حتى وإن حالت بينهما المسافات.

إننا لا نكتب لأننا نملك الكلمات، بل لأن بعض المشاعر تصبح أثقل من أن يحملها القلب وحده، فتبحث عن ورقة، وعن قلم، وعن قارئٍ يشعر بها قبل أن يقرأها.

ويبقى الشوق... اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمة، لأن القلب يفهمها مهما اختلفت الوجوه، وتباعدت الطرق، وتعاقبت السنين.

بقلم: محمود سالم الغريبي

إرسال تعليق

0 تعليقات