انتقل إلى المحتوى
مدوّنة محمود الغريبي

فكرةٌ تُلهم.
ومعرفةٌ تُشارك.

مقالات، تجارب وأدوات تستحق وقتك.

من حجارة الأذى بُني القصر

من حجارة الأذى بُني القصر



لم أكن أجمع الحجارة لأحفظ أثر الجرح، كنت أبحث بينها عن شيءٍ أستطيع أن أبني به حياةً لا تشبه لحظة سقوطها.

في البداية، لم أرَ في الحجارة سوى ما كانت عليه: أشياء قاسية تصلني من يدٍ لم تعرف كم تؤلمني، وتسقط حولي كأنها تريد أن تتركني محاصرًا بما حدث. مررت بها مرات كثيرة، وكل مرة كنت أقول: سأتركها خلفي. لكنني كنت أعود فأجدها في الطريق، فأحمل واحدة، ثم أخرى، لا لأن الوجع انتهى، بل لأنني تعبت من أن أراه مبعثرًا أمامي.

لم أكن أعرف أنني أبني. كنت أكتفي بترتيب يومي بعد خيبة، وبجمع نفسي بعد كلمةٍ بقي صداها أطول مما توقعت، وبمحاولة النهوض من موقفٍ تمنيت لو أنني لم أعشه. كانت الخطوات صغيرةً إلى حد أنني لم ألحظ تغيّر المكان حولي. ومع ذلك، كان كل قرارٍ اتخذته كي أحمي ما بقي مني يضع حجرًا في موضعه؛ وكل مرةٍ اخترت فيها أن أواصل، ارتفع جدارٌ جديد.

ثم بدأت أرى ما لم أره من قبل. الحجارة التي أثقلت يدي صارت تعرف طريقها إلى البناء. ما حسبته نهايةً لشيءٍ في داخلي صار بدايةً لوعيٍ أعمق بنفسي: بما أستحقه، وبما لا ينبغي أن أسمح له أن يقيم طويلًا في قلبي. لم تمنحني التجربة راحةً فورية، ولم تجعلني أخرج منها كما كنت؛ لكنها جعلتني أتعرف إلى قوتي على مهل، حجرًا بعد حجر.

ومع كل حجرٍ أضعه، كنت أتعلم أن التعافي لا يعني محو ما حدث. هناك مواقف تبقى في الذاكرة، لكنها تكفّ عن قيادة أيامنا. وهناك كلمات لا نستطيع استعادتها أو تغييرها، لكننا نستطيع أن نمنعها من أن تصبح صوتنا الداخلي. لم أعد أريد أن أعيش داخل اللحظة التي آذتني؛ صرت أريد أن أفهمها، ثم أترك لها مكانها من الماضي، وأمضي.

لهذا، حين أقول إنني بنيت قصرًا من الحجارة، لا أعني أن الأذى كان جميلًا، ولا أن الطريق إليه كان سهلًا. ما حدث كان موجعًا، وما تركه في النفس لم يختفِ بكلمةٍ واحدة. لكنني لم أتركه يختار شكل نهايتي. أخذت ما تبقّى من الطريق، وما استطعت حمله من نفسي، وواصلت البناء حتى صار لي مكانٌ أقف فيه مطمئنًا، وأنظر إلى الماضي من نافذةٍ لا من حفرة.

ربما يظن من رمى الحجارة أنها بقيت في مواضعها، وأن أثرها توقف عند لحظة سقوطها. لكنه لا يعرف أنني حملت بعضها، وأنني صنعت منها أساسًا لشيءٍ لم يكن موجودًا من قبل. لا أحتاج أن أعود إلى تلك اليد، ولا أن أطلب منها تفسيرًا. يكفيني أنني لم أبقَ حيث أرادت لي اللحظة أن أبقى.

الآن، كلما رأيت قصرًا يعلو فوق أرضٍ صعبة، تذكرت أن بعض ما يثقلنا قد يتحول، مع الوقت والعمل والصبر، إلى ما يسندنا. أما حجاري، فقد صارت جزءًا من بيتٍ اخترت أبوابه بنفسي، وفتحت نوافذه للهواء والنور. ولم يعد ما رُميتُ به نهاية حكايتي؛ صار أول حجرٍ في الطريق إلى نفسي.

إرسال تعليق

0 تعليقات