أشتاق إلى يومٍ لم يكن يعرف أنه سيصبح ذكرى…
محمود الغريبي - اكتوبر ٢٠٢٦
الخلاصة التي أصل إليها كلما طال صمتي… أنني اشتقت.
اشتقت إلى تلك الأيام التي بدأت فيها الحكاية، يوم لم نكن نعرف إلى أين سنصل، ولم يكن في قلوبنا كل هذا التعب. يوم كانت نظرة واحدة تكفي لتربكنا، ورسالة قصيرة تكفي لتغيّر يومنا، وابتسامة عابرة تظل معنا حتى آخر الليل. اشتقت إلى أول مرة شعرت فيها أن وجودك يختلف عن وجود الآخرين؛ أن اسمك، حين يظهر، يجعلني أترك ما في يدي، وأن حديثك، مهما كان بسيطًا، يستحق أن أصغي إليه وكأنني أسمع شيئًا انتظرته طويلًا.
أشتاق إلى أول نظرة… إلى تلك اللحظة التي مرّت في هدوء، بينما بدأ في داخلي شيء لم أستطع تسميته. لم أقل يومها إن هذه بداية حكاية ستعيش معي سنوات، ولم أتخيل أنني سأعود إلى تلك اللحظة كلما ضاقت بي الأيام. كنت أظنها نظرة وتنتهي، فإذا بها تبقى، وإذا بكل ما جاء بعدها يجد طريقه إلى قلبي من خلالها.
وأشتاق إلى أول رسالة.
إلى ترددي قبل أن أكتب، وإلى الكلمات التي كتبتها ثم مسحتها، وإلى محاولتي أن أبدو هادئًا بينما كنت أنتظر الرد بشغف لا يعرف الهدوء. أشتاق إلى ذلك الفرح الصغير حين وصل جوابك، وإلى ابتسامتي التي حاولت إخفاءها، وإلى قراءتي الرسالة أكثر من مرة، كأن المعنى قد يزيد إذا قرأتها مرة أخرى.
كم كانت الأشياء بسيطة… وكم كانت تعني لنا الكثير.
كنا نسأل عن بعضنا، ثم يمتد الحديث من سؤال عادي إلى تفاصيل لم نخطط لقولها. نحكي عن يومنا، عن تعبنا، عن أشياء لا يلتفت إليها أحد، ونجد في إصغاء الآخر راحة لا تشبه شيئًا. وأحيانًا ينتهي الكلام، لكننا لا نريد أن ينتهي اللقاء؛ فنبحث عن موضوع آخر، عن سؤال آخر، عن أي سبب يبقينا قليلًا.
أشتاق إلى أول ابتسامة شعرت أنها لي. ربما لم تكن مختلفة في عين أحد، لكنها كانت مختلفة في قلبي. وأشتاق إلى أول هدية، إلى الحيرة قبل اختيارها، إلى رغبتي أن تحمل شيئًا مني يصل إليك، وإلى انتظاري لردّة فعلك. لم تكن قيمتها في ثمنها؛ كانت في ذلك الشعور المرتبك الجميل: أنني أريد إسعادك، وأن سعادتك ستعود إليّ فرحًا مضاعفًا.
ثم اللقاء الأول…
ما زلت أتذكر ارتباكي، وترتيبي للكلمات في رأسي، ثم نسياني لها حين رأيتك. أتذكر كيف بدا الوقت سريعًا، وكيف شعرت بعد الوداع أن هناك كلامًا كثيرًا لم أقله. عدت يومها أحمل تفاصيل صغيرة لا أعرف لماذا حفظتها بهذا الوضوح: حركة يد، نبرة صوت، لحظة صمت، ابتسامة جاءت بين كلمتين.
لم يكن اللقاء الأول طويلًا بما يكفي، لكنه اتّسع في ذاكرتي حتى صار زمنًا كاملًا.
ومنذ ذلك اليوم، صار للمستقبل شكل آخر. صرت حين أفكر في غدٍ جميل أراك فيه، وحين أتمنى شيئًا أترك لك مكانًا في أمنيتي. كانت أحلامنا تكبر في أحاديثنا، نضيف إليها كل مرة تفصيلًا، ونفرح بها قبل أن تحدث. نتحدث بثقة من لم يختبر بعد كيف يمكن للحياة أن تؤجل الأشياء، وكيف يمكن لسنوات كثيرة أن تمرّ ويبقى بعض ما تمنيناه معلّقًا في مكانه الأول.
كم تمنّينا… وكم حلمنا ببعض.
كم رسمنا أيامًا لم نعشها، وكم تحدثنا عن أماكن لم نصل إليها، وكم وعدنا أنفسنا بأن القادم سيكون أحنّ علينا. كانت لدينا رغبة صادقة في أن نكمل، وكان في قلوبنا شغف يجعل المسافة محتملة، والانتظار محتملًا، والتعب محتملًا… ما دمنا نعرف أن هناك من ينتظرنا في الجهة الأخرى.
كم لعبنا وضحكنا على أشياء لا تستحق كل ذلك الضحك. كم سهرنا، ثم قلنا إننا سننام، وبقينا نتحدث. كم تعبنا، وكانت كلمة واحدة من أحدنا تخفف عن الآخر. كم اختلفنا، وكم اشتقنا ونحن غاضبان، وكم بحثنا عن طريقة للصلح تحفظ لنا كبرياءنا، بينما كان كل ما نريده أن يعود الحديث كما كان.
حتى تلك الخلافات الصغيرة أشتاق إليها أحيانًا؛ لأنني أتذكر ما كان يأتي بعدها من اطمئنان. أتذكر كيف كنت أهدأ حين أشعر أن مكانتي عندك ما زالت محفوظة، وأن سوء الفهم لن يأخذنا بعيدًا.
كانت أيامًا فيها فرح وتعب، وقرب وخوف، لكننا كنا فيها معًا. ولهذا أحببتها بكل ما فيها.
ثم تغيّرت الظروف.
قربتنا الظروف ذات يوم، حتى ظننا أن كل شيء يساعدنا على اللقاء، ثم أبعدتنا ظروف أخرى لم نعرف كيف نواجهها. دخل التعب في أحاديثنا، وكثرت الانشغالات، وصارت بعض الكلمات تصل متأخرة، وبعض الأسئلة تبقى بلا إجابة. وأحيانًا كنّا نحتاج إلى بعضنا في اللحظة نفسها، لكن كل واحد منا كان غارقًا في شيء لا يعرف الآخر حجمه.
لم نفهم كل ما حدث في وقته. ربما استعجلنا الحكم، وربما تركنا للصمت مساحة أكبر مما ينبغي. ربما قلنا كلامًا ونحن متعبون، فبقي أثره بعد أن زال التعب. وربما انتظر كل واحد منا أن يبدأ الآخر، وطال الانتظار حتى أصبحت العودة إلى الحديث أصعب من الحديث نفسه.
يؤلمني أن أفكر في كل ما كان يمكن أن نقوله بهدوء، وفي كل مرة أخفينا فيها اشتياقنا خلف كلمة باردة، وفي كل سؤال لم نسأله لأننا خفنا من الإجابة.
لكنني لا أريد أن أحاكم أيامنا الآن. لقد مرّت، ومررنا معها بأشياء كثيرة. أعرف أننا لم نكن نفهم الحياة كما نفهمها اليوم، وأننا حاولنا بما كان لدينا من صبر ومعرفة وقدرة. وأعرف أن بعض ما بدا قسوة كان تعبًا، وأن بعض الصمت كان عجزًا عن التعبير، وأننا قد نجرح من نحب ونحن نتمنى لو يعرف كم نحبه.
ما زال في داخلي كلام لك… كلام لم يفقد حاجته إلى أن يُقال.
أريد أن أخبرك أن الأيام الأولى لم تصبح عادية بعد مرور كل هذه السنوات. ما زالت لها رقتها، وما زالت بعض تفاصيلها قادرة على إيقاظ شعور ظننت أنه هدأ. قد أمرّ بأيام كثيرة دون أن أذكرها، ثم أسمع كلمة، أو أمرّ بمكان، أو أرى شيئًا يشبه ما عرفناه، فأعود إليها دفعة واحدة.
أعود إلى نفسي القديمة… إلى ذلك الإنسان الذي كان ينتظر رسالتك، ويحسب الوقت قبل اللقاء، ويطمئن حين يسمع صوتك. أشتاق إليه أيضًا. أشتاق إلى خفّته، إلى ثقته بأن الأمنيات قريبة، وإلى قدرته على الفرح دون أن يتساءل كم سيدوم.
كنت معك أجد مساحة أقول فيها ما لا أقوله بسهولة. أحكي، وأضحك، وأعترف بتعبي، وأشعر أنني مفهوم. ولهذا، حين أشتاق إلى تلك الأيام، أشتاق إلى الطمأنينة التي عشتها فيها، وإلى الطريقة التي كنت أرى بها العالم حين كنت قريبًا.
واليوم، كلما تذكرت تلك البدايات، أتساءل: هل تعرف أنها بقيت معي بهذا الوضوح؟ هل تتذكر شيئًا مما أتذكره؟ هل توقفت يومًا عند صورة قديمة، أو حديث قديم، وشعرت أن الزمن مضى أسرع مما ينبغي؟
لا أعرف.
وقد لا أعرف أبدًا. لكنني أحب أن أتصور أن شيئًا جميلًا من أيامنا ما زال محفوظًا عندك، ولو في زاوية هادئة لا تصل إليها كثيرًا. أحب أن أتصور أنك حين تتذكرني، تتذكر أيضًا أنني فرحت بك، وأنني تمنيت لك الخير، وأن ما كان بيننا حمل صدقًا يستحق أن يُذكر برفق.
يبقى في داخلي ميثاق حب، وعهد وفاء لم أعرف كيف أكتبه يومها، لكنه عاش في تصرفاتي وأمنياتي. عهدٌ بأن أحفظ ما ائتمنتني عليه، وأن أصون تفاصيلك، وأن يظل للجميل الذي جمعنا قدره مهما تغيّرت أحوالنا.
أستطيع أن أعيش حياتي، وأن أكمل طريقي، وأن أفرح بأيام جديدة… وتبقى لتلك الأيام مكانتها. لا أحتاج إلى إنكارها كي أمضي، ولا إلى الإساءة إليها كي أتخفف من وجعها. لقد كانت جزءًا عزيزًا من عمري، وفيها مشاعر خرجت من قلبي بصدق، وأحلام آمنت بها بكل ما كان عندي من أمل.
مهما تغيّرت الظنون، وتبدلت الأفكار، ومرّت السنوات الطوال، سيبقى اللقاء الأول محفورًا في ذاكرتي. ربما تضعف بعض التفاصيل؛ أنسى تاريخًا، أو ترتيب حديث، أو لون شيء كان أمامنا… لكنني أتذكر شعوري. أتذكر أنني كنت سعيدًا، وأنني تمنيت أن يطول الوقت، وأنني غادرت وفي داخلي رغبة صادقة في لقاء آخر.
ذلك الشعور لم تمحُه السنوات.
أحيانًا أتمنى لو أستطيع العودة ساعة واحدة فقط. أجلس فيها معك كما كنا، دون أن أحمل معرفة ما حدث بعد ذلك. أسمعك باهتمام أكبر، وأطيل النظر قليلًا، وأقول ما أجّلت قوله. أخبرك أن هذا اليوم سيصبح عزيزًا عليّ، وأنني سأبحث عنه في ذاكرتي كثيرًا، وأن الأشياء التي نظنها صغيرة الآن ستكبر حين تصبح بعيدة.
كنت سأتمهّل في الوداع.
فكم من وداع حسبناه عاديًا، ثم عرفنا بعد زمن أنه كان آخر مرة نجتمع فيها بتلك الصورة، وبتلك الخفّة، وبذلك القرب. وكم من يوم انتهى ونحن ننتظر مثله في الغد، ثم مضت أعوام ولم يأتِ مثله.
لهذا يعتصرني الحنين أحيانًا. لأنني لم أكن أعرف أنني أعيش أيامًا سأشتاق إليها بكل هذا الوجع. كنت داخلها، مشغولًا بما أريده بعدها، ولم ألتفت بما يكفي إلى أنها هي نفسها كانت أمنية تتحقق.
هل تعود؟
لا أدري… ربما لا تعود كما كانت. ربما نلتقي يومًا وقد تغيّرنا، فنحمل إلى اللقاء أعمارًا أثقل، وتجارب أكثر، وكلامًا يحتاج إلى شجاعة. وربما نبتسم حين نتذكر ارتباكنا الأول، ونشعر بالحزن على بعض ما ضاع، ونفرح بأننا ما زلنا نذكر الخير.
وربما لا يحدث ذلك.
ربما تبقى الحكاية في زمنها، وتبقى أسئلتها دون إجابات، ونكمل نحن حياتنا، وكل منا يحمل منها ما استطاع حمله. وربما ينتهي الحديث بيننا، بينما تظل له حياة هادئة في الداخل، تظهر في لحظة حنين ثم تهدأ.
أحاول أن أتقبل كل هذه الاحتمالات، لكن قلبي ما زال يتأثر كلما عاد إلى البداية. هناك شيء في أول نظرة، وأول رسالة، وأول ابتسامة، وأول هدية، وأول لقاء… شيء لا أستطيع استعادته كاملًا، ولا أستطيع نسيانه.
فإن وصلت إليك هذه الكلمات يومًا، أريدك أن تفهم خلاصة ما أحاول قوله:
لقد اشتقت إلى أيامنا. إلى أحلامنا قبل أن تتعب، وإلى حديثنا قبل أن يثقله الصمت، وإلى قربنا حين كان يطمئننا. اشتقت إلى الفرح الذي كنا نصنعه من تفاصيل بسيطة، وإلى شعوري بأن هناك من يشاركني انتظار الغد.
ولا أطلب من الماضي أن يصلح كل ما حدث، ولا أعرف ما الذي يستطيع المستقبل أن يمنحنا. لكنني أريد أن أقول بوضوح إن ما عشته معك كان عزيزًا عليّ، وإن مرور السنوات لم يجعله بلا قيمة، وإنني كلما تذكرت البداية وجدت في قلبي حنانًا لها، مهما صاحب ذلك الحنان من وجع.
أتمنى أن تكون بخير. أن تجد ما يريح قلبك، وأن تأتيك أيام ألين من الأيام التي أتعبتك. أتمنى أن تتحقق لك أمنيات أعرفها، وأمنيات جديدة لم أعد أعرف عنها شيئًا. وحين أدعو لك، أشعر أن بعض الوفاء ما زال يجد طريقه إليك، حتى من هذه المسافة.
أما أنا، فسأحتفظ بتلك الأيام كما أحببتها: بضحكتها، وارتباكها، وسهرها، وأحلامها، وبكل التفاصيل التي جعلتنا نقترب. سأذكر ما كان فيها من خير، وأترك لما أوجعنا الوقت الذي يحتاجه كي يهدأ.
فالخلاصة النهائية… أنني لم أنسَ.
اشتقت إلى يومٍ رأيتك فيه أول مرة، ولم أكن أعرف أنك ستبقى في ذاكرتي كل هذا العمر. اشتقت إلى رسالة قرأتها وأنا أبتسم، وإلى لقاء تمنيت بعده أن أراك مرة أخرى. اشتقت إلى أحلام قلناها بثقة، وإلى أيام عشناها على عجل، ثم قضينا سنوات نتذكرها.
تلك أيام لا تُنسى… وربما لا تعود.
لكنني حين أغمض عيني وأتذكر اللقاء الأول، ما زلت أشعر بذلك الفرح القديم، ثم أفتح عيني على المسافة… وأتمنى، من أعماق قلبي، لو أنني يومها تمهّلت قليلًا، وبقيت معك أكثر.

0 تعليقات