حين تعجز الكلمات... تتحدث الأرواح
ليست للكلمات لغة واحدة...
فهي لا تنتمي إلى وطنٍ بعينه، ولا تقف عند حدود لهجةٍ أو حروف.
إنها نورٌ إذا خرجت من قلبٍ صادق، وقد تتحول إلى متاهة إذا حملها عقلٌ مثقل بالتردد.
الكلمات الحقيقية لا تُقرأ...
بل تُشعَر.
إنها تعبر بين الأرواح قبل أن تعبر بين الألسنة، وتنسج من الحروف ثوبًا لا تطرزه الأقلام، بل تخيطه المشاعر الصادقة، حتى يصبح للحب لغة لا تحتاج إلى ترجمة، وللصمت حديثٌ يفوق آلاف العبارات.
يا سيدي...
ليس الحنين ضعفًا كما يظنه البعض...
بل هو شاهدٌ صامت على أن بعض اللحظات كانت صادقة إلى الحد الذي رفض فيه القلب نسيانها.
كم هو غريبٌ أمر الذاكرة...
تترك لنا آلاف الأيام تمر دون أثر، ثم تحتفظ بلحظةٍ واحدة، كأنها حدثت بالأمس.
تستدعيها بين حينٍ وآخر، فتوقظ في القلب حديثًا كان يظن أنه انتهى، وتعيد ترتيب المشاعر دون استئذان.
وربما يبقى السؤال الذي لا نجد له جوابًا...
لماذا يرحل بعض الأشخاص، بينما تبقى آثارهم مقيمة في أعماقنا؟
ولماذا تُغلق بعض الأبواب، بينما تبقى نوافذ الحنين مشرعة لا تعرف الإغلاق؟
لقد حاولت طويلًا أن أبحث عن إجاباتٍ تشفي فضول القلب...
ثم أدركت أن الحياة ليست مدينةً لكل سؤالٍ بجواب.
فبعض الأسئلة خُلقت لتعلّمنا الرضا...
لا لتمنحنا الإجابة.
ومنذ ذلك اليوم...
تعلمت ألا أطرق الأبواب التي اختارت أن تُغلق.
وألا أستنزف روحي في مطاردة ما اختار الرحيل.
فالرحيل، مهما اختلفت أسبابه، سنةٌ من سنن الحياة.
وما كُتب له البقاء، سيبقى دون أن نتشبث به.
وما كُتب له أن يمضي، فلن تعيده ألف محاولة.
أدركت أن أجمل ما يمكن أن أقدمه لنفسي...
أن أحتفظ بجميل الذكرى، وأترك وجعها يذوب مع الأيام.
فليس من الحكمة أن نحمل رماد الأمس، بينما الحياة ما زالت تشعل لنا شموعًا جديدة.
وما العمر...
إلا كتابٌ كبير.
كل مرحلة فيه فصل...
وكل إنسان مرّ بنا صفحة...
وكل موقف سطرٌ أضاف إلى أرواحنا شيئًا من الحكمة.
قد نطوي الصفحات...
لكننا لا نمزقها.
تبقى شاهدةً على أننا عشنا، وفرحنا، وتألمنا، وتعلمنا.
وفي النهاية...
لن تُقاس أعمارنا بعدد السنوات التي عشناها، ولا بعدد الأشخاص الذين عبروا حياتنا...
بل بما تركناه من أثرٍ طيب، وبما حملته قلوبنا من صفاء، وبما خرجنا به من كل تجربةٍ أكثر حكمةً، وأكثر رضا.
فالذكريات ليست وطنًا نسكنه إلى الأبد... بل جسورٌ نعبرها، لنصل إلى نسخةٍ من أنفسنا أكثر نضجًا، وأقرب إلى الله، وأهدأ مع الحياة.
؛ 🌿

0 تعليقات