أنا وأنت.. وقِدم العهد مع الألم

هل تساءلتَ يوماً؟ ليس بالضرورة سؤالاً محدداً، بل ذلك التساؤل الضبابي الذي يخيم على الروح كضباب شتاء بارد. هل احترتَ يوماً من دون أن يكون لديك حلمٌ تتبعه أو وهمٌ يلوذ به قلبك؟ أنا أعيش في هذه المنطقة، في تلك المساحة التي تقع بين الحلم والواقع، بين الأمل واليأس، حيث لا معالم تُذكر سوى شواهد قبور على ذكريات لم تتحقق أبداً.

أنت تظلمني بحُكمك.. تظن أن صمتي برود، وأن صبري قسوة، وأن هدوئي يعني أنني بلا مشاعر. لكنك لا تعلم أن هذا الصمت هو بحر هائج في أعماقي، كل موجة فيه تحمل اسماً لوجع، وكل حصاة على شاطئه قصة ألم. أتكلّم أحياناً، فينقلب عالمك رأساً على عقب، وتصير كلماتي مشكلة لا تحل. فكيف لي أن أنجو؟ إذا سكتُّ أُسيء فهمي، وإذا نطقتُ أُلقى باللوم على صدقي. فاختَر لي، أيها القاسي بغير قصد، أي الطريقين أسلم؟ الصمت الذي يقتلني رويداً رويداً، أم الكلام الذي يهدم ما بيننا؟

أما عن حياتي، فهي ليست مجرد حكاية عابرة للحزن، إنها سِفرٌ كامل مُجلد بالتعب، مُذهَّب بريشة المرض، ومكتوب بحبر الأسى. لقد صدمت عمري في الزمن الكبير منذ أن تعلمت المشي، فما عاد قلبي سوى أثرٍ بالٍ على جدار الزمن. تعلمت من الدنيا دروساً قاسية، وودعتُ أحلاماً كنت أظنها رفيقة الدرب. وخسرتُ إنساناً كان هو العالم كله في عينيّ، كان هو النور في ظلمتي، والسكن في غربتي. عندما رحل، لم يرحل وحده، بل أخذ معه كل معنى جميل، وتركني في صحراء من الذكريات، أتوه بين أيامها ولا أجد إلا ظله يسبقني في كل مكان.





فأقول لك: "يكفي أنني خسرت إنساناً كان كل حياتي". جملة تبدو بسيطة، لكنها تحتوي انهيار كونٍ بأكمله. إنها ليست مجرد خسارة، إنها زلزالٌ هزّ أركان روحي، وانقلابٌ في نظام مشاعري. أصبحت بعده كشجرة في خريف دائم، أوراقها الذابلة تتناثر مع كل نسمة، لا تملك أن تمسك بها، ولا تملك أن تعيد لها اخضرارها الأول.

والحزن؟ نعم، الحزن. أنا وهو علاقتنا قديمة جداً، أقدم من كل من أحببت، وأعمق من كل جرح تألمت منه. هو ليس ضيفاً ثقيلاً، بل هو رفيق دربي الوفي، ساكنٌ في عظامي، يتنفس مع أنفاسي. لقد تشاركنا السنين حتى تعارفنا دون كلام. أصبحت لا أحزن بالطريقة التي يعرفها الناس، لأن الحزن لم يعد حدثاً في حياتي، بل أصبح هواء حياتي نفسه. أتنفسه فيصبح جزءاً مني، فلا أشعر بمرارته كما يشعر بها الغريب. لقد تجاوزت مرحلة الدموع إلى مرحلة القبول الصامت، حيث يكون الألم نبضاً عادياً لا يوقظك من نومك، بل يرافقك في أحلامك.

يا ليل ويا نهار! يا من تشهدان على حكايتي.. أضع قلبي بين يديكما، قلبي الذي أصبح أثره خفيفاً كالنسيم، لا قيمة له في عيون البشر. أعهد إليكما بأن تحفظاه، فما عاد يتحمل مزيداً من الكسر. إنه ليس قلوب العاشقين المليئة بالورود والأشواق، إنه قلبٌ تآكل من كثرة ما ضربته رياح الفراق، وتشقق من شدة ما حمل من أسرارٍ لم يبح بها أبداً.

في النهاية، ها أنا ذا. كائن من لحم ودم، لكنني أشبه تمثالاً من رخام، أبدو صلباً من الخارج، لكنني في الداخل شقوقٌ لا تُرى. أعيش في دنياي التي ملأها الحزن، أحمل تاريخاً طويلاً مع الألم، وأحمل في قلبي صورة من رحلوا وهم لا يزالون يحتلون المكان كله. أتوق إلى يد حانية تمسح على رأسي دون أن تسأل، إلى قلبٍ يفهم أن بعض الصمت هو أبلغ قصيدة حزن، وأن بعض الدموع لا تسقط من العين، بل تتراكم في الصدر حتى تتحول إلى بحار من الوحدة.

هذه هي حكايتي.. بكل ما فيها من مرارة وجمال الحزن المشروع. فهل من مُستمع؟

إرسال تعليق

0 تعليقات