الجزء الأول: المحل الذي يعرفني
كنت أتردد على ذلك المحل كثيرًا.
كلما احتجت شيئًا ذهبت إليه، وأحيانًا أذهب ثم أتذكر أنني لا أحتاج شيئًا أصلًا. كنت أقنع نفسي بأن بضاعته أجود، وأسعاره أنسب، وخدمته تختلف عن بقية المحلات. والحقيقة أنني لم أجرّب غيره حتى أحكم عليه.
كنت أرتاح هناك.
راحة غريبة، كأنني أترك شيئًا يثقلني عند الباب، وأسترده حين أخرج.
وكلما دخلت، وجدتها.
البائعة نفسها، والابتسامة نفسها، وذلك السؤال الذي تقوله كأنها كانت تنتظرني وحدي:
— كيف حالك اليوم؟
أجيبها، ثم أمضي بين الأقسام، فتمضي معي. تدلني على ما أريد، وتختار لي ما أتردد فيه، وأحيانًا تمد يدها إلى الشيء قبل أن أطلبه.
كنت أضحك وأقول:
— شكلك عرفتي ذوقي.
فتبتسم:
— أكثر مما تتصور.
في البداية ظننت أن هذه خدمة يقدمونها لكل زبون. لكن المحل كان يمتلئ بالناس، ولم أرَ أحدًا ترافقه بائعة طوال الوقت مثلي.
لماذا أنا؟
السؤال جاء متأخرًا، بعدما تعودت اهتمامها، وصرت أبحث عنها قبل أن أبحث عن البضاعة.
كانت تسألني أسئلة بسيطة.
أي الألوان أحب؟ أي السيارات أتمنى؟ هل أسكن وحدي؟ وكيف حال أهلي في عبري؟
كنت أجيب دون أن أنتبه إلى أنها تتذكر كل إجابة.
ذات مرة سألتني:
— لو قدرت تحصل على كل اللي تتمناه، ماذا يبقى ناقصًا؟
قلت ضاحكًا:
— خليني أحصل عليه أول، وبعدها أفكر في الناقص.
لم تضحك.
نظرت إليّ لحظة، ثم أعادت الثوب إلى مكانه.
وصلتني رسالة مساء الثاني من سبتمبر:
«زبوننا الوفي، يسعدنا دعوتك لحضور افتتاح قسمنا الجديد، غدًا الثالث من سبتمبر، الساعة العاشرة مساءً. نرجو حضورك شخصيًا.»
ذهبت.
استقبلتني عند الباب، لكنها لم تأخذني إلى الأقسام المعتادة. سارت بي في ممر جانبي إلى قاعة كبيرة، كُتب فوق بابها: «كبار الشخصيات».
دخلت وألقيت السلام.
لم يجبني أحد.
الكراسي مرتبة، والطاولات جاهزة، والقاعة خالية.
قلت:
— جئت مبكرًا؟
قالت:
— جئت في وقتك.
غابت قليلًا، ثم عادت بعربة تحمل كعكة كبيرة وحولها أصناف من الحلوى. كانت هناك اثنتان وعشرون شمعة.
وقفت أعدّها بعيني.
— اثنتان وعشرون؟
— نعم.
— ليش هذا العدد؟
— بتعرف.
ظننتها ذكرى افتتاح المحل، أو عدد أقسامه، أو شيئًا يخص أصحابه. لم يخطر ببالي أن يكون للرقم علاقة بي.
أخذتني بعدها إلى قسم السيارات. لم أكن أعرف أن المحل يضم معرضًا للسيارات أيضًا.
سألتني:
— أي واحدة تختار؟
أشرت إلى مرسيدس سوداء، موديل ٢٠١٠.
— هذه.
— متأكد؟
— إذا السؤال عن الذوق، متأكد. أما عن الشراء، خلينا نرجع لقسم الملابس.
ابتسمت، وطلبت مني أن أتجول قليلًا، وألا أغادر قبل عودتها عند الحادية عشرة وخمسين دقيقة.
جلست على كرسي منفرد في ممر هادئ.
كان الناس يمرون بجانبي، ولا أحد يلتفت إلى الكرسي، رغم أنه أقرب مكان للراحة.
وحين نهضت، رأيت لوحة صغيرة مثبتة خلفه.
اقتربت.كان اسمي عليها:
«اســـير بكيفي».
وقفت أتأمل الحروف.
ربما مصادفة.
هكذا قلت لنفسي، ثم واصلت السير.
مررت بمطاعم تحمل أسماء غريبة: «ولهانة عليك»، و«شمس صباح»، ثم وجدت مطعمًا يحمل اسمي أيضًا.
هنا توقفت.
ما عاد التشابه مريحًا.
وقبل أن أسأل أحدًا، سمعت الإعلان:
«زبائننا الكرام، نذكّركم بأن المحل يغلق أبوابه في تمام الثانية عشرة.»
نظرت إلى ساعتي.
كيف سيبدأ الحفل حين يُغلق المحل؟
عادت في موعدها.
لكنها كانت ترتدي ثوبًا عمانيًا جميلًا وشيلة أنيقة، ولم يبقَ من هيئة البائعة إلا وجهها وصوتها.
قالت اسمها، ثم أضافت بهدوء:
— أنا صاحبة هذا المكان.
نظرت إليها، ثم إلى المحل الممتد خلفها.كل هذا لها؟
سارت بي إلى القاعة. كانت لا تزال خالية.
بدأت أقول:
— وين الحضور؟ وين الحفـ…
فأطفئت الأنوار.
ثم أضيئت الشموع.
وقالت:
— الساعة الآن الثانية عشرة. التاريخ أربعة سبتمبر، ألفان وعشرة. كل عام وأنت بخير.
اثنتان وعشرون شمعة.
اثنان وعشرون عامًا.
تذكرت عمري متأخرًا، كأنني كنت أعرف أعمار الأشياء كلها إلا عمري.
مدّت إليّ جهازًا صغيرًا:
— اضغط هذا الزر.
ضغطت.
انفتحت الستارة عن السيارة السوداء التي اخترتها.
ضحكت من الدهشة:
— لمن هذه؟
وضعت المفتاح في يدي.
— لك.
وفي اللحظة نفسها اهتز هاتفي.
رسالة من البنك.
قرأت المبلغ مرة، ثم أعدت القراءة.
مليون ريال.
رفعت وجهي إليها، لكن الكلمات بقيت في حلقي.
قالت:
— اليوم تحصل على الأشياء اللي كنت تتمنى أحدًا يسألك عنها.
جلست.
المفتاح في يدي، والهاتف أمامي، والشموع تذوب ببطء.
كنت سعيدًا، نعم. لكن شيئًا صغيرًا في داخلي بدأ يخاف.
سألتها:
— وكل هذا… ليش؟
سحبت كرسيًا وجلست أمامي.
لأول مرة اختفت ابتسامتها.
— تعرف العدد اثنين وعشرين؟
قلت:
— اليوم ما أظن بنساه.
وضعت ساعة صغيرة بيننا.
كانت عقاربها واقفة.
ثم قالت:
— إذن اسمعني زين… من هذه اللحظة، كل اثنتين وعشرين دقيقة لك…
وتوقفت.
أُغلق باب القاعة خلفي.



0 تعليقات