كنتُ أبحث عنكِ… وأنتِ أمامي
محمود الغريبي
كم غبتُ عن الحقيقة وهي أمام عيني، وكم أتعبتُ قلبي في طرقٍ بعيدة، وكان كلُّ ما يرجوه أقربَ إليه من المسافة بين تنهيدةٍ ونبضة!
سنواتٌ وأنا أبحث عنكِ…
بين الوجوه العابرة، وفي زحام الأيام، وبين حطام الخيبات وما نجا من أحلامي. أسأل عنكِ الأماكن، وأفتّش عنكِ في الكلمات، وأتبع كلَّ ضوءٍ يلوح من بعيد؛ لعلّه يقودني إليكِ.
وكنتِ أمامي.
تبتسمين في هدوء، كأنّ ابتسامتكِ تقول: «ها أنا هنا»، ثم تتركين لقلبي أن يتعلّم الطريق. وكنتُ أمرُّ بتلك الابتسامة، أستريح إليها قليلًا، ثم أمضي لأبحث عن السعادة التي منحتني إيّاها للتوّ!
يا لغرابة القلب… كيف يعرف الدفءَ، ولا يعرف اليد التي أوقدت له النار؟
كنتِ السند حين مالت بي الحياة، واليد التي أدركتني قبل السقوط، والصوت الذي أعاد إليَّ شيئًا من نفسي كلّما بعثرتني الأيام. تواسينني حين تضيق الكلمات، وتمازحينني حتى تنتصر ضحكتي على تعبي، وتلمسين في روحي مواضعَ لا يعرفها سواكِ؛ فأبكي، ثم أشعر أنّ شيئًا ثقيلًا قد انزاح عن صدري.
كنتُ أسمّي ذلك لطفًا، ومروءةً، وحسنَ وفاء…
وأتأخّر، في كلّ مرّة، عن اسمه الأصدق: حبّكِ.
واليوم، حين التفتُّ إلى عمري، رأيتُ ما لم أره وأنا أعبره. تذكّرتُ رسالةً جاءت في وقت انكساري، وكلمةً ردّت إليَّ ثقتي، وجوابًا حمله إليَّ أحدهم ففتح في حيرتي بابًا. وحين تتبّعتُ خيوط تلك المواقف، وجدتكِ عند بدايتها؛ تسألين عنّي، وتمهّدين لي، وتودعين في أيدي الآخرين ما يخفّف عنّي، ثم تقفين بعيدًا، سعيدةً بأنني بخير.
كم شكرتُ الذين حملوا إليَّ الورد، ولم أعرف مَن زرعه من أجلي!
وأعجبُ ما في حكايتنا أنّكِ كنتِ تساعدينني في البحث عنكِ. كنتُ أحدّثكِ عمّن أشتاق إليها، وأصف لكِ قلبًا أتمنّى أن أجد فيه مأمني، فتُنصتين. كنتُ أعدّد صفاتها، صفةً صفة، ولا أدري أنّني أصفكِ؛ وأنّ المرأة التي أبحث عنها تسمعني، وتكتم في ابتسامتها جواب السؤال.
كيف اتّسع قلبكِ لكلّ هذا الانتظار؟
وكيف احتملتِ أن أشتاق إليكِ أمامكِ، وأن أشكو لكِ غيابكِ وأنتِ لا تغيبين؟
حبيبتي…
لا أملك أن أعيد تلك السنوات، لكنّني أملك ألّا أُضيف إليها يومًا آخر من الغفلة. فاقبلي اعتذاري عن كلّ مرّةٍ مررتُ فيها بقربكِ ولم أنتبه، وعن كلّ امتنانٍ تأخّر حتى ظننتِه نسيانًا، وعن كلامٍ كان حقّه أن يصل إليكِ، فظلَّ طويلًا حبيسَ قلبٍ لم يفهم نفسه.
وشكرًا…
على وقفاتكِ التي كانت في ميزان أيّامي نجاةً كاملة، وإن بدت في عينيكِ أمرًا يسيرًا. على صبركِ حين أثقلتني نفسي، وعلى الفرح الذي صنعتِه لي دون أن تطلبي أن يُكتب عليه اسمكِ.
اليوم أراكِ، وأعرف ما الذي أراه.
أعرف صاحبةَ اليد، ومصدرَ الدفء، والوجهَ الذي كانت تأخذني إليه أمنياتي كلّما أغمضتُ عيني.
أنتِ حبيبتي، ومعشوقتي، ومن كنتُ أشتاق إليها وأنا أجلس بقربها.
فإن سألتِني: أين كنتَ كلَّ هذا العمر؟
قلتُ: كنتُ أبحث عنكِ.
وإن قلتِ: ولكنّني كنتُ هنا…
أخذتُ يدكِ، وقلتُ:
أعرف الآن يا حبيبتي… ولهذا عدتُ من كلّ الطرق، وجلستُ إلى جواركِ.

0 تعليقات