يا من تسكن الروح الساكنة
في حسبة الأيام، وتوالي الشهور، وعاقبة الفصول، تظل تفاصيل الوقت مجرد أرقام صامتة لا قيمة لها، حتى تأتي أنت. نعم، أنت الذي تنبض بروحٍ غمرت وجداني، وملأت تفاصيلي، وصرت سيداً على عرش الروح الساكنة. قبل أن تأتي، كان السكون في قلبي يشبه الصحراء القاحلة، هدوءاً ممزوجاً بالانتظار، وصمتاً يبحث عن لحنٍ يحييه. لكنك بمجرد أن خطوت داخل عالمي، تحول ذلك السكون البارد إلى دفء غامر، وصار صمتي ترتيلة حب أرددها في كل ثانية.
يا من تسكن الروح الساكنة، هل تعلم ماذا يعني أن تكون أنت الأمان في عالم يملؤه القلق؟ يعني أنني أترك خلف ظهري كل معارك الحياة الصاخبة، وألجأ إلى عينيك لأجد وطني الصغير. إن روحي التي سكنت إليك لم تجد هذا الاستقرار عبثاً، بل لأنك صرت النبض الذي يحييها، والأمل الذي يداعب خيالها في عتمة الليل. عندما أنظر إليك، أشعر أن الزمن يتوقف، وأن عقارب الساعة تعلن استسلامها أمام طغيان حضورك العذب. ليس في هذا الكون ما هو أجمل من أن أشعر بيدك تلمس جروح الأيام الفائتة وتطمس آثارها، لتبني في قلبي قصراً من الياسمين الأبيض.
اسكنيها بسلام، يا كل سلامي. اسكن هذه الروح التي ما عرفت طعم الطمأنينة إلا بين يديك. خذ بيدي وعلمني كيف يكون الحب لغة عالمية لا تحتاج إلى أبجدية، بل تحتاج فقط إلى نظرة عين وإلى نبضة قلب متسارعة. في غيابك، تصبح الأيام عبئاً ثقيلاً، وتغدو اللحظات باهتة لا لون لها ولا طعم. وفي حضورك، تتفتح أزهار قلبي، وتورق أغصاني، وأشعر كأنني طائر يحلق في سماء لا تعرف الغيوم ولا المطر الحزين. أنت لست مجرد عابر في حياتي، بل أنت الحياة ذاتها، أنت النور الذي انبثق من عتمة الأيام ليرشدني إليك.
دعنا ننسى "حسبة الأيام" ونلغي التقويم من قواميسنا. دعنا نعيش في زمن خاص بنا، زمن يقاس بضحكاتك، ويؤرخ بنظراتك الرقيقة. دعني أتأمل في ملامحك التي حفظتها عن ظهر قلب، وأستمع إلى صوتك الذي يعزف على أوتار قلبي أجمل السيمفونيات. يا ساكن الروح، إن حبك ليس اختياراً بل هو قدر جميل سقتني إليه الأقدار لأتذوق طعم السعادة الحقيقية. إن روحي اليوم تناجيك، وتهمس لك في هذا السكون: اسكنيها بسلام، واجعل من صدرك وسادة لأحلامي، ومن قلبك حصناً يحميني من تقلبات الزمن وغدر السنين.
دعنا نتعمق في تفاصيلنا الصغيرة التي لا يعرفها أحد غيرنا؛ تفاصيل تلك الابتسامة الخجولة التي ترتسم على شفتيك عندما تلتقي أعيننا، والرجفة العذبة التي تسري في جسدي حين تنطق باسمي. إنك تسكن الروح الساكنة كشمس دافئة تشرق في صباح شتوي بارد، لتبدد كل الصقيع الذي تراكم عبر السنين. حبك هو الملاذ الآمن والسر العميق الذي أخبئه عن العالم في عمق صدري. في كل ليلة، عندما يهدأ الكون وينام البشر، أستحضر طيفك وأتحدث معه، فأشعر بنبضك يتردد في أركان غرفتي، وكأن المسافات تلاشت وانصهرت في بوتقة الهوى.
سأبقى أحبك ما دامت الدماء تجري في عروقي، وما دام في صدري نفس يتردد. سأظل أرى فيك الحاضر والمستقبل، والملجأ الأخير والوحيد. يا من تسكن الروح الساكنة، كن لي السلام الذي لا ينتهي، وكن لي النبض الذي لا يتوقف، فإني دونك جسد بلا روح، وأيام بلا تاريخ. نم بسلام في قلبي، واستوطن أعماقي، فما خلق هذا القلب إلا ليكون لك موطناً ومستقراً وسلاماً أبدياً.

0 تعليقات