بقلم: محمود بن سالم الغريبي
في زحمة الأيام وسرعة الأحداث التي تجرّنا يمينًا ويسارًا، ننسى كثيرًا أن نلتفت خلفنا ونسأل أنفسنا سؤالًا بسيطًا: إلى أين نمضي؟
قد يبدو السؤال كلاسيكيًا، لكن الإجابة عليه تحتاج شجاعة وهدوءًا وقدرة على الإصغاء لهمسات داخلية ندفنها تحت روتين العمل والدراسة والمشاغل اليومية.
كبرتُ وأنا أسمع جملة تتكرر على ألسنة الكثير: “الحياة بسيطة… نحن من نعقّدها.”
ومع مرور الوقت بدأت أصدّق أن في الجملة جزءًا كبيرًا من الحقيقة. نعم، قد لا تكون الحياة دائمًا سهلة، لكنها تمنحنا مساحات من الجمال، فرصًا ناعمة نكاد لا نلاحظها، لحظات صغيرة تصنع الفرق… فقط لو انتبهنا لها.
أؤمن أن الإنسان لا يحتاج إلى أحداث ضخمة كي يشعر بأن حياته ذات معنى. أحيانًا يكفيه موقف جميل، كلمة صادقة، إنجاز صغير، حتى كوب قهوة في وقت مناسب يمكن أن يغيّر مزاجه ويعيد ترتيب أفكاره.
هذه التفاصيل ليست ترفًا، بل وقود ينعش الروح ويجعلنا نقدر الطريق بدلًا من انتظار “القمة” فقط.
في رحلتي الشخصية—ولا زالت مستمرة—تعلّمت أن معيار النجاح لا يُقاس دائمًا بالأرقام أو بالماديات، بل بالشعور الداخلي: هل أصبحت نسخة أفضل من نفسي؟ هل فهمت ذاتي أكثر؟ هل تعلّمت كيف أتعامل مع أخطائي بدلًا من الهروب منها؟
النجاح الحقيقي ليس سباقًا مع الآخرين… بل مع نفسك.
أحد الدروس التي تغيّر نظرتي للأشياء أن النية هي أساس كل شيء. عندما تعمل بنية صادقة، ستجد الطريق يتفتح تدريجيًا حتى لو بدأ ضيقًا. وعندما تساعد الآخرين دون انتظار مقابل، ستعود إليك المساعدة من حيث لا تتوقع. وعندما تكتب أو تبتكر أو تتعب على مشروع تؤمن به، ستشعر أن لوقتك قيمة حتى لو لم يرَ الجميع ما تراه.
أما التحديات، فهي ليست عدوًّا كما نظن. التحديات تخبرنا أين نقف، وتكشف نقاط قوتنا قبل نقاط ضعفنا. قد نتذمّر منها في بدايتها، لكننا نعود ونكتشف أنها هي التي صنعت صلابتنا. كل تجربة صعبة تمنحك حكمة لا تُشترى.
ورغم كل ذلك، نحن بحاجة دائمًا لوقفة صادقة مع أنفسنا. لحظة نعيد فيها ترتيب الأولويات، نفرز ما يستحق البقاء وما يجب أن نتركه. العلاقات، الطموحات، العادات، وحتى الأفكار… ليس كل شيء مناسبًا لكل مراحل حياتنا. أحيانًا نضطر أن نتخفف كي نكمل الطريق بخفة.
أكتب هذا الكلام لأنني مؤمن أن كل إنسان يستحق أن يجد مسارًا يشبهه. مسارًا لا يُملى عليه من الآخرين، ولا يخضع لمقارنات مرهقة.
كل شخص يحمل داخله قصة تستحق أن تُروى، وحلمًا يستحق أن يُمنح فرصة، وطاقات لا يعرفها إلا عندما يختبر حدودها.
وفي النهاية…
الحياة ليست سباقًا، ولا اختبارًا نهائيًا، بل رحلة طويلة، مليئة بالمنعطفات، وبالفرص التي تنتظر من يلتقطها.
وأنا—محمود—أؤمن أن أجمل ما في الرحلة هو أن نصنع معناها بأنفسنا، خطوة بخطوة، وبقلبٍ يعرف كيف يرى النور حتى في أصغر الأمور.


0 تعليقات