يانًا.. وأنا أجلس في زاويتي الهادئة، أدرك أن الكلمات مثل فراشات تموت عندما نحاول الإمساك بها.
في صمتنا.. نصنع عالماً موازياً، لغته نبضات القلوب، وحروفه نظرات العيون، وقواعده مشاعر لا تحتاج لترجمة.
كم من مرة قالت لي عيون من أحبهم ما لم تستطع حروفهم قوله!
كم من مرة فهمت من مسكة يدٍ ما لم تفهمه من خطبة طويلة!
كم من مرة كانت دموع صامتة أصدق من كل عبارات العزاء!
الصمت ليس فراغاً.. إنه مساحة مملوءة بكل ما لم نستطع قوله.
الصمت ليس جبناً.. إنها شجاعة مواجهة الذات بكل هدوء.
الصمت ليس ضعفاً.. إنه قوة الشخص الذي يعرف متى يتكلم ومتى يصمت.
في صمتي أسمع نفسي لأول مرة..
أسمع حكايات روحي التي طمستها ضوضاء الكلام..
ألمس جراحي بلطف دون حاجة لشهادات الآخرين..
أبني قصوري من أحلامي بعيداً عن أعين الناقدين.
وأكتشف أن أعمق الكلمات لا تُقال، بل تُحس.
وأجمل المشاعر لا تُعبر، بل تُختصر في صمت عارف.
وأقوى العلاقات تُبنى ليس بالكلام، بل بالصمت المشترك.
لذلك.. سأظل أؤمن بأن الصمت أحياناً يكون أبلغ من ألف كلمة..
لأنه اللغة الوحيدة التي تفهمها القلوب دون ترجمة..
اللغة التي لا تحتاج لمفردات ولا قواعد..
اللغة التي نعود بها أطفالاً.. طاهرين.. حقيقيين.
في صمتي.. أتحدث بكل لغات العالم دون أن أنطق حرفاً واحداً.
محمود بن سالم الغريبي
0 تعليقات